السيد كمال الحيدري
42
الإنسان بين الجبر والتفويض
- الرؤية الأشعرية ، فتتعامل مع الطبيعة من حولها وما تزخر به من إمكانات وطاقات بنظرية جبرية تجمّد الفعل الإنساني إزاء الطبيعة وتصدّه عن المبادرة والاكتشاف والإبداع ؛ فترك آثاراً فظيعة على الواقع الحاضر الذي يعيش فيه المسلمون تخلّفاً مريعاً ينذر بالكارثة ، بينما تعيش المجتمعات الغربية في طبيعة علاقتها مع الطبيعة وما فيها حالة النظرية الاعتزالية التي تؤمن بمبدأ السببيّة ، حيث وهبتهم هذه الفلسفة دفعة إلى الإمام وهي تحثّهم على اكتشاف قوانين العالم في مسار راح يتقدّم باطّراد من دون توقّف ، وهو الأمر الذي ترك أثراً كبيراً على واقعهم الحضاري وما بلغوه . إنّ نسبة المسلمين كلّ شيء إلى الله ( بالمعنى الأشعري ) ساهم في تعطيل الفعل الإنساني وتجميد كثير من الأشياء ، فأفضى إلى تأخّر فظيع ساهمت فيه بلا ريب عوامل أخرى ، لكن بدا وكأنّ المعنى الديني هو في طليعة هذه الأسباب . أمّا الغربيّون فقد انطلقوا في علاقة عنيدة مع الطبيعة توسّلوا فيها بكلّ ما هو متاح ، بعيداً عن الدين ورؤيته في هذا المجال ، فجاء ما أحرزوه من تقدّم مادّي هائل على هذا الصعيد في ظلّ رؤية توحي أنّ ما حصل تمّ بفعل الابتعاد عن الدين ! والحال أنّ الرؤيتين كلتيهما خاطئتان . فليس في الإسلام - إذا ما خرجنا عن نطاق الرؤية الأشعرية - ما يمنع من اقتحام الطبيعة ، واكتشاف قوانينها ، وإحراز التقدّم تلو التقدّم في مضمارها . كما أنّ اختزال التقدّم بمعناه التقني المادّي « 1 » - كما فعلت المدنية الغربية -
--> ( 1 ) يرى الباحث فهمي جدعان أنّ اختزال التقدّم بمفهومه العلمي التكنولوجي الذي غرقت به البشرية المعاصرةهو فهم خطير « انتهت إليه العقلية الغربية » وهو إلى ذلك : « ربّما كان أجسم أخطاء هذا العصر » . فالمرادفة بين التطوّر المادّي على المستوى العلمي والتقني بمعناهما المعاصر وبين التقدّم الانساني شوّه مفهوم التقدّم عند الأمم والشعوب السابقة ، ونصب المدلول الغربي معنىً وحيداً للتقدّم ينبغي لبقيّة البشرية أن تحثّ الخطى نحوه ، كما أدّى إلى تحميل المفهوم بكلّ ضروب التشاؤم والمرارة والخوف التي باتت تهدِّد حاضر البشرية ومستقبلها نتيجة التطوّر العلمي والتقني في مضمار السلاح والاقتصاد وأجهزة الاتّصال ، وما يفضي إليه ذلك من دمار عسكري ونهب للثروات وتلويث للبيئة . ينظر : أسس التقدّم عند مفكِّري الاسلام في العالم العربي الحديث ، د . فهمي جدعان ، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر ، الطبعة الثانية ، بيروت ، 1981 ، ص 11 فما بعد . على أنّ الأمر في اختزال التقدّم ببعده المادّي وما يفضي إليه من مخاطر ، لم يعد يقتصر على كتاب من عالمنا العربي والاسلامي ( الأطراف ! ) بل ربما كان أكثر شيوعاً في الغرب نفسه ( المركز ! ) . ينظر على سبيل المثال : السيطرة على المستقبل ، فرانسوا هيتمان ، ترجمة كمال خوري ، دمشق ، 1981 ؛ عوالم الاقتصاد الثلاثة ، لويدج . رينولدز ترجمة نايف حسين العطواني ، دمشق ، 1982 ؛ المجتمع الحديث في أبعاده الأساسية ، جزءان ، ترجمة : وجيه أسعد ، دمشق ، 1982 .